الجاحظ

92

البخلاء

في القسمة . قال : أنا كاتبه ، وصداقتي أقدم ، وما ذلك به . وإن ههنا أمرا ما نقع عليه . فلم يلبث أن دخل علينا ، فسألته عن ذلك ، فتعصّر قليلا . ثم باح بسرّه . قال : وضيعته أضعاف ربحه ، وأخذه عندي من أسباب الأدبار . قلت : أوّل وضائعه احتمال الشكر . قال : هذا لم يخطر لي قط على بال . قلت : فهات إذا ما عندك . قال : أول ذلك كراء « 1 » الحمّال . ثم هو على خطر حتى يصير إلى المنزل . فإذا صار إلى المنزل ، صار سببا لطلب العصيدة « 2 » ، والأرزة ، والبستندود « 3 » . فإن بعته فرارا من هذا ، صيّرتموني شهرة ، وتركتموني عنده آية ، وإن أنا حبسته ، ذهب في العصائد ، وأشباه العصائد ، وجذب ذلك شراء السمن ، ثم جذب السمن غيره ، وصار هذا الدبس أضرّ علينا من العيال . وإن أنا جعلته نبيذا ، احتجت إلى كراء القدور ، والى شراء الحبّ « 4 » ، وإلى شراء الماء ، وإلى كراء من يوقد تحته ، والى التفرّغ له . فإن ولَّيت ذلك الخادم أسودّ ثوبها ، وغرمنا ثمن الأشنان « 5 » ، والصابون ، وازدادت في الطَّعم على قدر الزيادة في العمل . فإن فسد ، ذهبت النفقة باطلا ، ولم نستخلف منها عوضا بوجه من جميع الوجوه . لأن خلّ الداذي يخضب « 6 » اللحم ، ويغيّر الطعم ، ويسوّد المرق ، ولا يصلح للإصطباغ .

--> « 1 » كراء الحمّال : اجرته . « 2 » العصيدة : طحين يمزج بالسمن ويطبخ . « 3 » البستندود : نوع من الفطائر . « 4 » الحب : الخابية . « 5 » غرمنا ثمن الأشنان : تحملنا كلفة ما تغسل به الأيدي من الحمض . « 6 » يخضّب اللحم : يلوّنه .